


بطاقة الكتاب
الكاتب: إبراهيم أحمد
الكتاب: قيثارة أجاثا كريستي
النوع: رواية
القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات: 465 صفحة
تعتمد رواية “قيثارة أجاثا كريستي” للكاتب العراقي إبراهيم أحمد، الممتدة على بنية سردية معقدة ومتداخلة، تُبرِز عمق النص وقدرته على استكشاف تيمات متشابكة من خلال تراكب الأصوات والزمن والأمكنة. تبدأ الرواية بوصف اختفاء الكاتبة أجاثا كريستي من فندق “تايغر بالاس” في بغداد، لتتحول هذه الحادثة البوليسية الظاهرة إلى نقطة انطلاق لغوص عميق في طبقات متعددة من الذاكرة والتاريخ والهوية.
تتسم البنية السردية للرواية بتعدد الأصوات، حيث تتناوب وجهات النظر بين شخصيات رئيسية: ماكس مالوان، زوج أجاثا، الذي يروي بقلق وتوتر لحظات اختفائها؛ وولفريد ثيسجر، المستكشف المهووس بـ”فاطمة بنت المعيدي”؛ و أجاثا كريستي نفسها عبر مذكراتها وتأملاتها الداخلية؛ وراوٍ عراقي معاصر يعكس تجربته الشخصية مع المنفى والعودة إلى بغداد التي مزقتها الحروب. هذا التعدد الصوتي لا يُعد مجرد تقنية، بل هو مرآة لتيمة مركزية: الحقيقة كسرديات متعددة، متناقضة أحياناً، ومؤجلة دائماً. فالنص يشكك باستمرار في إمكانية الوصول إلى حقيقة واحدة ومطلقة، سواء كانت جريمة بوليسية أو حدثاً تاريخياً.
يُشكل استخدام الرموز والصور الشعرية عنصراً جوهرياً في النسيج الشكلي للرواية. فالقيثارة الذهبية، التي تظهر في عنوان الرواية وفي سياقات متعددة، تُعد رمزاً محورياً يربط بين حضارة ما بين النهرين القديمة (الموسيقى، الفن، الموت الطقسي) وإلهام أجاثا الإبداعي. هي ليست مجرد آلة موسيقية، بل هي ذاكرة جماعية للأحزان والأحلام. كذلك، يتكرر رمز “الاختفاء” في مستوياته المتعددة، من اختفاء أجاثا المادي إلى اختفاء أوراق المخطوطة للراوي العراقي، وصولاً إلى اختفاء “بنت المعيدي” في سراديب الحكايات الشعبية، مما يعمق تيمة البحث الدائم عن المفقود. “فاطمة بنت المعيدي” نفسها تتحول إلى أيقونة وطنية للجمال والألم، تتنازع على هويتها القوميات والطوائف، وتتعدد روايات اختطافها، لتصبح رمزاً للعراق المنهوب والجمال المنتهك.
تُبرز اللغة، في تراكيبها الغنية وصورها الحية، التمازج بين الواقعي والأسطوري، والسياسي والوجودي. يوظف النص لغة تتراوح بين السرد الهادئ والمتأمل (في مذكرات أجاثا وثيسجر)، واللغة المشبعة بالمرارة والسخرية (في وصف الراوي العراقي لواقعه المعاصر)، والحوارات المكثفة التي تكشف دواخل الشخصيات. تتداخل هذه الأصوات في سرد غير خطي، يقطع فيه الراوي المعاصر السرد التاريخي لأجاثا ليشتبك مع واقعه، مما يخلق إحساساً بأن التاريخ ليس ماضياً منقضياً، بل هو حاضر معاش، يتردد صداه في تفاصيل الحياة اليومية.
إن اللعبة البارعة بين الواقع والخيال هي إحدى السمات الشكلية الأكثر لفتاً للانتباه. اختفاء أجاثا كريستي، الذي يبدو حقيقة تاريخية (وإن كانت مصنّعة داخل النص)، يُكشف في النهاية كفعل إبداعي متعمد من قبلها، في محاولة لإعادة شحن حياتها وكتاباتها. هذا التلاعب بالحدود بين ما هو حقيقي وما هو مخترع يعكس فلسفة الرواية حول قوة السرد في تشكيل الواقع. كما أن الراوي العراقي نفسه يستخدم فعل الكتابة كآلية للنجاة والبحث عن ذاته في خضم الفوضى، مؤكداً أن الأدب ليس مجرد ترف، بل ضرورة وجودية.
باختصار، تقدم الرواية تحليلاً شكلياً غنياً لتيمة الذاكرة والهوية والبحث عن الحقيقة، وذلك من خلال تعدد الأصوات، وتداخل الأزمنة، والتوظيف الكثيف للرمزية، ولغة تتراوح بين الشعرية والواقعية، مما يجعلها دراسة عميقة لآليات السرد ودوره في فهم الذات والعالم.
الناشر










