النشيد الناقص

بطاقة الكتاب

الكاتب: فاضل السلطاني
الكتاب: النشيد الناقص
النوع: شعر

القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات: 81 صفحة

يقدم ديوان “النشيد الناقص” للشاعر العراقي فاضل السلطاني شهادة أدبية عميقة ومؤثرة على تجربة الاغتراب والتشظي الوجودي، حيث تتشكل ملامح هذه التجربة في سياق التحولات العراقية، وتُلقي الصراعات السياسية والاجتماعية بظلالها الكثيفة على الهوية الفردية والجماعية. يتجلى الاغتراب في هذا الفضاء ليس كحالة عابرة أو مجرد انتقال جغرافي قسري بين المدن والعواصم، بل كحالة وجودية متأصلة في الذات، تتحول فيها المنافي من فضاءات خارجية إلى جزء لا يتجزأ من الكيان الداخلي للشاعر. هذا التنقل الدائم والمستمر يفرض على الوعي الثقافي واقعاً جديداً، حيث يصبح السفر جزءاً لا ينفصل عن الهوية، وتتشكل ما يمكن تسميته بـ “مملكة المنفى” العابرة للقارات. في هذه المملكة، تتحول الهوية إلى حالة هجينة ومعلقة بين العوالم، يتحول الشاعر فيها إلى رحالة عابر للبلدان يحمل على كاهله ذاكرة وطن غائب وجراحاً حضارية عميقة تعكس تداعيات الصراعات والتحولات التي لا تثمر عن انتماء حقيقي، ويصبح المكان الوحيد المتاح للانتماء هو فضاء عدم الانتماء ذاته، أو البقاء في حالة عبور دائم دون استقرار.

في قلب هذا الترحال، تتجسد الأنا الشاعرة كشخصية مفردة ومتجولة، مثقلة بذاكرة وطن غائب ومحاطة بشعور عميق بالوحدة والفقد. تتأرجح هذه الشخصية بين الاستسلام لواقع الاغتراب المرير وبين الحنين المستمر إلى الوطن المفقود، والذي لا يُدرك كبقعة جغرافية فحسب، بل كيان حي يتألم ويتشكل وعيه عبر تداخل التراجيديات. فالوطن الحاضر يتداخل في الذاكرة مع جراح الماضي، لتنعكس صورة العراق بتراجيديا فقدان تاريخية، مما يعكس عمق الجرح الحضاري الذي يحمله الشاعر في رحلته. وفي خضم هذا الصراع الداخلي، يبرز شعور مؤلم بفقدان الاستقلالية والذاتية، حيث تشعر الأنا الشاعرة بأن أحلامها وخمرها وخبزها أصبحت ملكاً للآخرين، وكأنها قد ذابت في سياق الأغيار. ورغم هذا الذوبان، يظل هناك أمل خافت أو رغبة جامحة في العودة، حتى لو كانت هذه العودة تبدو مستحيلة أو مجرد حلم بعيد المنال، إدراكاً بأن الوطن الأصلي قد تغير أو غاب، وأن العودة لم تعد مجرد مسألة مكان بل استعادة لزمن وشكل من الوجود ضاع إلى الأبد.

يتجاوز هذا الطرح الشعري مجرد الوصف العاطفي ليقدم منهجاً تفكيكياً نقدياً لمفاهيم الوطن والهوية والزمن، فلا يتم تقديمها كحقائق ثابتة أو بُنى راسخة، بل كبُنى متزعزعة وهشة خاضعة للتغير والفقدان. يتجلى هذا التفكيك في التشكيك العميق في جوهر الهوية الوطنية ذاتها، وكأن التجربة القاسية والمنفى الطويل قد فرغا الوطن من معناه الأصلي وجعلاه مجرد مجموعة من التناقضات. حتى مفهوم الزمن يفقد خطيته واستقراره، ويتحول إلى دورة زمنية لا نهائية من السفر والفقدان، حيث ينتهي السفر ليبدأ ثانية، مما يعمق الشعور بالضياع ويمنع أي إمكانية للثبات. وفي هذا الإطار، يأتي عنوان “النشيد الناقص” ليعبر عن هذا التمزق، متجاوزاً مفهوم النشيد التقليدي كرمز للوحدة والفخر والفرح والشجاعة، ليصبح تعبيراً صريحاً عن النقص والرفض للبناء الكامل أو الموحد، واعترافاً بتفكك التجربة الإنسانية ورفضاً لتجميل الواقع المرير.

في المحصلة، تنجح قصائد ديوان “النشيد الناقص” في تقديم عمل أدبي يعكس بصدق تراجيديا الاغتراب وتحديات الهوية في فضاءات مرحلة ما بعد الاستعمار. إن القصائد لا تكتفي برسم ملامح الشخصية المتنقلة وآثار الترحال القسري على النفس فحسب، بل تعمل على تفكيك المفاهيم التقليدية للانتماء، لتظهر هشاشتها في مواجهة التجربة الإنسانية المريرة.

تقدم هذه القصائد صرخة وجودية لجيل عاصر الفقدان والتشظي، مقدماً شهادة حية ومؤثرة على التأثير الثقافي والنفسي العميق لتجارب النفي. إنه نشيد حزين يتردد صداه في كل من ذاق مرارة الغربة وفقدان الجذور، مؤكداً أن الوعي في ظل هذه الظروف لا يمكن أن يكتمل، بل يبقى دائماً في حالة بحث وتساؤل وتشظي.

الناشر

Avatar photo

فاضل السلطاني

فاضل السلطاني: شاعر، ومترجم، وصحفي، وباحث عراقي، يُعد من الأسماء الفاعلة في حركة الشعر والترجمة العربية المعاصرة، ولا سيما في أدب المنفى والارتحال والتلاقح الثقافي بين الأدبين العربي والإنجليزي.
ولد في مدينة سدة الهندية، محافظة بابل، العراق، عام 1948. حصل على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة بغداد. نال درجة الماجستير في الأدب الحديث (الأدبين الأوروبي والأميركي) من كلية بيركبك التابعة لجامعة لندن.
بدأ عمله الثقافي والصحفي في سبعينيات القرن الماضي داخل العراق، في صحيفة «طريق الشعب»، وكان عضواً في نقابة الصحفيين العراقيين والاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
بدأت رحلة الاغتراب الأولى عام 1977، حيث غادر العراق مرغماً بسبب الظروف السياسية، متوجهاً إلى المغرب حيث قضى سنتين درّس خلالهما في مدينتي تارودانت وبني ملال، ثم انتقل في عام 1979 إلى الجزائر مواصلاً عمله في سلك التدريس في مدينة بسكرة، ومدينة تلمسان، وفي عام 1985 انتقل إلى سوريا ليشارك المشهد الثقافي والصحفي العربيـ خلال فترة إقامته في دمشق.
استقر في العاصمة البريطانية لندن منذ عام 1994، ليصبح واحداً من أبرز وجوه الثقافة العربية في المهاجر الأوروبية.
يشغل منصب محرر الشؤون الثقافية والكتب في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية منذ عام 1997، ويسهم بانتظام بكتابة المقالات والدراسات النقدية والترجمات في المجلات الأدبية مثل (مجلة الجديد، مجلة الفيصل، والكلمة).
تتنوع مؤلفات فاضل السلطاني بين الدواوين الشعرية، والترجمات الرفيعة من الأدب العالمي، والدراسات النقدية الفكرية:

1. المجموعات الشعرية:
• ديوان قصائد، 1982 صدر في لندن
• ديوان النشيد الناقص، 1992 – دار حطين، دمشق. صدرت النسخة الرقمية عن «ألف ياء AlfYaa» عام 2026.
• ديوان محترقاً بالمياه، 2000 ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت لبنان.
• ديوان ألوان السيدة المتغيرة، 2010 – دار المدى، بغداد. صدرت النسخة الرقمية عن «ألف ياء AlfYaa» عام 2026.
• ديوان لا أحد يعود،2017 ـ، دار نون للنشر (الشارقة ـ القاهرة).
• ديوان عند منتصف الذاكرة، 2024 ـ مختارات شعرية شاملة صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد.

2. الكتب المترجمة (من الإنجليزية إلى العربية):
قدّم للمكتبة العربية ترجمات هامة لنخبة من ألمع الأدباء والشعراء العالميين:
قاعة الرقص الرومانسية، قصص للكاتب الأيرلندي الشهير وليم تريفور (دار الطليعة الجديدة، دمشق، 1995).
العين الأكثر زرقة، رواية الكاتبة الأميركية الحائزة على نوبل توني موريسون، 1997 ـ دار الطليعة الجديدة ـ دمشق ـ سوريا.
قصائد مختارة للشاعر التشيكي ميروسلاف هولوب، 2000 ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة ـ مصر.
خمسون عاماً من الشعر البريطاني، أنطولوجيا كبرى ودراسة، تضم قصائد مترجمة لـ 56 شاعراً بريطانياً معاصراً. 2008 ـ دار المدى ـ دمشق.

3. الدراسات النقدية والفكرية:
الأرض اليباب وتناصها مع التراث الإنساني، دراسة نقدية معمقة حول قصيدة تي إس إليوت الخالدة، 2021 ـ دار المدى ـ بغداد.
البربرية الثقافية.. وقائع الانهيار، كتاب فكري ونقدي يجمع دراسات ومقالات ترصد التحولات الثقافية العربية واللغوية وتدعو لإعلاء العقل النقدي. 2025 ـ دار خطوط وظلال ـ عمان الأردن:
• كتب ودراسات باللغة الإنجليزية، ومنها:
فيليب لاركن شاعراً منتمياً - Philip Larkin as a Outsider Poet، 2013 ـ (دار ميرا للنشر Mira Publishing House).
ثلاثة شعراء محدثون Three Modern Poets ، 2014 ـ صدرت نسخته العربية بعنوان "الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة"، 2026 ـ دار تكوين ـ دمشق.