


بطاقة الكتاب
الكاتب: فاضل العزاوي
الكتاب: القلعة الخامسة
النوع: رواية
القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات:150 صفحة
تُعتبر رواية “القلعة الخامسة” للكاتب العراقي فاضل العزاوي، بتوقيعها الزمني في كانون الثاني / ديسمبر 1971 في منطقة بارك السعدون ببغداد، شهادة أدبية عميقة ومريرة تتحدث عن حقبة تاريخية حالكة في العراق، وسجلاً نفسياً وفلسفياً لتحولات الذات البشرية تحت وطأة القمع. لا تقتصر الرواية على كونها سرداً لتجربة السجن السياسي فحسب، بل تتجاوز ذلك لتقدم قراءة بنيوية وتفكيكية معقدة لطبيعة السلطة، آليات القمع، هشاشة الهوية، ودورة العنف والتأقلم. من خلال تحليل تاريخي بنيوي وتفكيكي، يمكننا الغوص في الطبقات المتعددة التي تشكل هذه التحفة الأدبية، كاشفين عن أبعادها الإنسانية والسياسية والفلسفية.
تعكس “القلعة الخامسة” ببراعة المناخ السياسي والاجتماعي الذي ساد العراق في الستينيات ومطلع السبعينيات، وهي فترة شهدت ترسيخاً لسلطة العسكر وتداول قادة العسكر لزعامة السلطة عبر عدة انقلابات عسكرية. كانت هذه الحقبة تتسم بتصاعد وتيرة الاعتقالات السياسية، والمحاكمات الصورية، والتعذيب الممنهج، وحكم الحديد والنار الذي طال مختلف أطياف المجتمع. يُعد “المعتقل” في الرواية، والذي يُشار إليه بـ”القلعة الخامسة“، تجسيداً رمزياً للسجون العراقية سيئة السمعة في ذلك الوقت، والتي كانت مراكز لاحتجاز المعارضين وتصفيتهم نفسياً وجسدياً، مثل سجن “نقرة السلمان”.
البداية السردية لاعتقال الراوي “عزيز محمود سعيد” من مقهى، وبشكل “خاطئ” ودون تهمة واضحة، هي تصوير دقيق لواقع الاعتقالات العشوائية التي كانت تحدث آنذاك. فقد كان الشك هو القاعدة، والبراءة استثناءً يتطلب دليلاً مستحيلاً. النقاشات الحادة بين السجناء حول “الثورة” و”القيادة” و”الخيانة” و”الجبن” تعكس الانقسامات الأيديولوجية والصراعات الداخلية التي كانت تمزق الحركات المعارضة في السجون، حيث كانت النظم القمعية تستغل هذه التصدعات لتعزيز سيطرتها. شخصية “سلام” الثوري المتصلب، و”منعم” المثقف الحالم، و”مصطفى” الفلاح الجريء الذي يتم إعدامه، هم نماذج لشخصيات حقيقية كانت تملأ زنازين تلك الفترة، كلٌ يمثل تياراً أو موقفاً إزاء القمع. كما أن وجود المخبرين، مثل “عبد الكريم”، الذين يتسللون إلى صفوف المعتقلين، هو حقيقة مرة أخرى كانت جزءاً لا يتجزأ من منظومة السلطة في تلك الأيام. الرواية إذن ليست مجرد قصة فردية، بل هي شهادة تاريخية على كابوس جماعي، وتوثيق لألم شعب تحت نير الاستبداد.
تُبنى الرواية على بنية سردية دائرية، تتجلى بوضوح في رحلة الراوي التحولية وفي التكرار الذي يسم المشهد الافتتاحي والختامي. تبدأ القصة باعتقال الراوي المفاجئ وهو يبحث عن “عاهرة” في مقهى، وتنتهي به وهو يستقبل سجيناً جديداً يُعتقل بالطريقة ذاتها ومن المكان نفسه، معلناً نفسه “قائداً” للمعتقل. هذه الدائرية لا تعكس فقط طبيعة السجن كفضاء مغلق لا نهاية له، بل تشير أيضاً إلى دورة القمع التي لا تنكسر، وقدرة النظام على استيعاب المقاومة وتحويلها إلى جزء من آلياته.
“القلعة الخامسة” ليست مجرد رواية عن السجن، بل هي مرثية للتجربة الإنسانية في مواجهة أنظمة لا تعترف بالإنسانية. إنها عمل أدبي يفكك آليات القمع على المستويين الكلي (الدولة) والجزئي (مجتمع السجناء)، ويسلط الضوء على تداعياتها المدمرة على الفرد. عبر شخصياتها المتنوعة وحبكتها الدائرية ورمزيتها الكثيفة، تجسد الرواية تراجيديا الانتماء القسري والتأقلم المرير.
يُعد فاضل العزاوي من خلال هذه الرواية واحداً من الأصوات الأدبية التي وثقت فترة معتمة من تاريخ العراق، لكن عمله يتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية ليقدم تأملاً حقيقياً في معنى الحرية، العدالة، الهوية، ودورة العنف التي غالباً ما تُحوّل الضحية إلى جزء من النظام الذي قاومته. تنتهي الرواية بمشهد مأساوي للراوي وهو يستقبل وافداً جديداً يكرر قصته، في إشارة إلى أن القلعة الخامسة، بمفهومها الواسع، تظل قائمة، وأن دورة الاعتقال والألم والتحول مستمرة، وربما أبدية، مادام الإنسان محكوماً بقلاع داخلية وخارجية لا تُحصى. الرواية دعوة للتفكير في كيف يمكن للمؤسسات القمعية أن تُحطّم الذات وتعيد تشكيلها، حتى يصبح السجن ليس فقط مكاناً للإقامة، بل فضاءً للوجود برمته.
الناشر










