ست وستون قصة قصيرة جداً

بطاقة الكتاب

الكاتب: إبراهيم أحمد
الكتاب: ست وستون قصة قصيرة جدا
النوع: قصص

القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات: 194 صفحة

تُعدّ مجموعة “ست وستون قصة قصيرة جداً” للكاتب إبراهيم أحمد إضافة نوعية ومتميزة للقصة القصيرة جداً في الأدب العربي، وتمثل شهادة حية على التحولات العميقة والآلام التي عصفت بالعراق والعالم العربي على مدى عقود. يقدم أحمد في هذه القصص عالماً متماسكاً رغم تباين موضوعاته، حيث تتضافر فيه عناصر الواقعية والرمزية والعبثية لتشكيل رؤية نقدية عميقة للوجود البشري في ظلّ الاضطهاد، والنزوح، والتفكك الاجتماعي. يتجلى النهج النقدي المتبع هنا في التركيز على تحليل الموضوعات المتكررة التي تشكل العمود الفقري للمجموعة، مع الإشارة إلى كيف يعزز الشكل القصصي المكثف هذه الموضوعات.

منذ اللحظات الأولى، تفرض المجموعة حضوراً ثقيلاً للمعاناة الإنسانية، وهو ما أشير إليه في التقديم بـ “رصده عذابات البشر في العراق”. تتجلى هذه المعاناة في صور متعددة، من الألم الجسدي والنفسي إلى الفقد واليأس. في قصة “قطن”، تتراقص كتل القطن المتناثرة من التابوت مع الريح، لتسقط على “الأشواك والحجارة”، مشهد رمزي يوحي بتشتت الروح وتمزق الجسد بعد الموت، ويستدعي صورة الجنازات المتواصلة في طريق النجف، مما يربط الموت بتجربة جماعية مستمرة. وفي قصة “انفجارات”، يتحول صوت المدفع إلى ضحكات طفل ممزق البالون، في مفارقة صادمة بين الدمار الذي يحيط به والبراءة التي تحاول إيجاد فسحة للبهجة، حتى لو كانت هذه البشجة لا تستوعب معنى الخراب. هذه القصص، بتكثيفها الشديد، لا تروي حدثاً بقدر ما تلقي بظلال كابوسية على الروح، تاركة القارئ أمام صور مكثفة لواقع قاسٍ.

تتصدر ثيمات القمع، والمراقبة، وفقدان الحرية جزءاً كبيراً من المجموعة، عاكسة بذلك أجواء الديكتاتورية التي سادت في العراق وبلدان أخرى. ففي “البصمات”، تترك أصابع الشاب الملطخة بالزيت بصمات واضحة على المكتب، في إشارة رمزية إلى محاولة السلطة طمس الفرد وإذابة هويته ضمن آلية المؤسسة، بينما يصبح مجرد التواصل مع الآخرين جريمة تستدعي تدخل “ضابط أمن المعمل”. وتأتي قصة “الببغاء” كاستعارة مركزية للسلطة المطلقة التي لا تكتفي بفرض الولاء، بل تسحق كل صوت مخالف، حتى لو كان ببغاءً مدجناً، ليتحول مصير صاحب الببغاء إلى فقدان القدرة على النطق ذاتها، في دلالة واضحة على مصادرة الألسن والحريات. تظهر هذه التيمات أيضاً في “تساؤل” التي تسلط الضوء على تدهور الكرامة الإنسانية والشعرية في خدمة السلطة، حيث يصل الأمر إلى حد التفتيش المهين. إن هذا التركيز على الجوانب السيكولوجية والسياسية للقمع يمنح القصص بعداً إنسانياً عالمياً.

يتجلى موضوع النزوح والمنفى والحنين إلى الوطن كشريان نابض في العديد من القصص، خصوصاً تلك التي تتنقل بين جغرافيا متعددة كبودابست والجزائر والسويد. “الطائرة الورقية” تعكس حنيناً موجعاً لطفولة مفقودة ووطن بعيد، حيث يصبح الأب في المنفى عاجزاً عن صنع طائرة ورقية بسيطة لطفله، في إشارة إلى فقدان الذاكرة الجماعية والانفصال عن الجذور. وفي “رسالة”، يصبح البحث عن رسالة من الأهل في القمامة استعارة للبحث عن بقايا الماضي والحقيقة في ركام الخراب والنسيان، مع الكشف الصادم عن مقتل الأخ واعتقال الآخر. هذه القصص لا تقدم صوراً للمنفى الجغرافي فحسب، بل للمنفى الروحي والنفسي الذي يعيشه الأفراد، وتُظهر كيف تتأثر العلاقات الإنسانية والأسرية بوطأة الهجرة القسرية.

لا تخلو المجموعة من نقد اجتماعي لاذع وملاحظات حادة حول الطبيعة البشرية، سواء في أوقات الشدة أو الرخاء. “رغبة في شراء البيض” تعرض مشهداً عبثياً للعنف الذي يتفجر بسبب تفاهة، حيث تتناثر بيضتان ويسقط الناس، مما يرمز إلى هشاشة الحياة وسهولة تدهور الأخلاق في ظلّ ظروف معيشية صعبة أو ببساطة غياب التراحم. وفي “كيكة العرس”، يتجلى التباين الصارخ بين البذخ الذي ترمز إليه الكعكة العملاقة والجوع الذي ينهش أطفال الحي الشعبي، حيث تصبح الكعكة “برجاً ينبغي تسلقه والتزحلق عليه” قبل أن تلتهمها أفواههم الجائعة. هذه اللقطات السريعة، بحدة تفاصيلها، تفضح زيف المجتمعات وتعري الفجوات الطبقية. وحتى في العلاقات الشخصية، تظهر صور الخيانة والجفوة كما في “قليلاً من النذالة رجاءً”، حيث يتمنى الراوي لو يمتلك “قليلاً من النذالة” ليحمي نفسه من أذى الأصدقاء، في انعكاس مرير لتدهور القيم الإنسانية.

أما على الصعيد الشكلي، فإن القصة القصيرة جداً، كنمط أدبي، تخدم هذه الموضوعات بكفاءة استثنائية. إن التكثيف اللغوي، والجمل المكثفة، والنهايات المفتوحة أو الصادمة، جميعها تسهم في خلق تأثير درامي عميق وسريع. يعتمد أحمد على الإيحاء والرمزية بشكل كبير، مما يدفع القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى وتأويله. فالعناصر البسيطة، مثل “القطن”، أو “الببغاء”، أو “المرآة”، أو “زهرة لا تنسني”، تتحول إلى رموز معقدة تحمل أبعاداً سياسية، واجتماعية، ووجودية. كما أن بعض القصص تبدأ وتُنهى بجمل مفاجئة أو غير متوقعة، مما يعزز عنصر المفارقة والعبثية التي تكتنف حياة الشخصيات. هذا الشكل الموجز، يمنح كل قصة قوة لقطة سينمائية مكثفة، تتوقف عندها العين وتتأملها الروح.

في الختام، تُبرز مجموعة إبراهيم أحمد “ست وستون قصة قصيرة جداً” براعته في فن السرد المكثف، وقدرته على التقاط لحظات مفصلية من التجربة الإنسانية، خاصة تلك التي تشكلت تحت وطأة الحروب، والنزوح، والقمع. إنها قصص تترك في النفس أثراً عميقاً، لا لشدة الأحداث التي ترويها، بل لقدرتها على تكثيف الألم والأمل، والسخرية والعبث، في نصوص تتجاوز حدودها اللغوية لتلامس جوهر المعاناة الإنسانية الشاملة، وتقدم بانوراما لحياة شاقة، محكومة بظروف قاهرة، لكنها لا تخلو من ومضات من الصمود، والحنين، والتساؤل الوجودي..

الناشر

Avatar photo

إبراهيم أحمد

قاص وروائي وكاتب عراقي ـ مواليد هيت ـ محافظة الأنبار ـ العراق 1942. خريج كلية الحقوق العام 1967.
بدأ النشر في الصحف عام 1965 وكتب الكثير من المقالات والتحقيقات الصحفية. وقصائد النثر ، وكتب برنامجا إذاعياً يوميا لإذاعة بغداد منذ عام 1968 واستمر حتى عام 1973،حيث أوقف من قبل السلطة آنذاك.
يُعد من ابرز رواد القصة القصيرة جداً في العراق. شكلت مجموعته (عشرون قصة قصيرة جداً) الصادرة عام 1976 عن دار الرواد انعطافة واضحة في هذا تيار القصة القصيرة جدا، التي أضحت فيما بعد تياراً واسعاً في العراق.
نشر له رجاء النقاش القصة القصيرة (صفارات الإنذار في مدينة قابيش) في مجلة الطليعة. عام 1973. في القاهرة منوهاً بها.
اضطر تحت الملاحقة لمغادرة العراق سراً عام 1979. تنقل في المنافى بين سوريا والجزائر وهنغاريا، يسكن السويد منذ عام 1989. ويقيم في القاهرة لفترات.
مارس العمل السياسي والثقافي المباشر لعقود طويلة، وانخرط في نشاط المعارضة العراقية في الخارج ، وساهم بعملها التنظيمي والإعلامي.
اضطهد حكام بغداد عائلته. وصادروا بيته أوائل عام 1986 ومنعوا تداول كتبه.
أدرجت له قصص ضمن كتاب مدرسي مقرر على طلاب المدارس الثانوية في السويد عن أدب الشرق الأوسط. وتُرجمت له العديد من القصص إلى لغات مختلفة كالإنجليزية والألمانية والسويدية والنرويجية والروسية وغيرها..
على مدى سنوات المنفى الطويلة نشر قصصه و الكثير من المقالات والتحقيقات الصحفية في العديد من الصحف والمجلات العربية والأجنبية.
تم تحويل بعض من قصصه إلى أفلام سينمائية ونالت جوائز عالمية.
لديه روايات ومجموعات قصصية، وثلاث مجاميع شعرية من قصائد النثر ومقالات ثقافية وسياسية مُعدة للطبع.
• عضو اتحاد الأدباء العراقيين منذ عام 1970.
• عضو اتحاد الكتاب السويديين.منذ عام 1991.
• عضو نادي القلم العالمي. منذ عام 1995.

صدر له في العراق قبل المنفي:
1. عشرون قصة قصيرة جداً ـ قصص ـ 1976 ـ دار الرواد ـ بغداد.
2. زهور في يد المومياء ـ قصص ـ 1981 ـ وزارة الإعلام العراقية ـ بغداد. وقد حُذفت منها عدداً من القصص والفقرات.

صدر له في المنفي:
3. صفارات الإنذار ـ قصص ـ دار صحارى بيروت 1991.
4. بعد مجيء الطير ـ قصص ـ دار صحارى بيروت 1994.
5. المرآة ، ـ قصص ـ دار الكنوز الأدبية بيروت ودار المنفى السويد 1995.
6. طفل السي إن إن ـ رواية ـ دار الكنوز الأدبية بيروت ودار المنفى السويد عام 1996.
7. التيه في أيس ـ قصص ـ دار الكنوز الأدبية بيروت ودار المنفى السويد عام 1999.(جزء أول من سيرة مدينة قديمة في أعالي الفرات، والجزء الثاني "العين السحرية" معد للطبع).
8. لارا زهرة البراري ـ قصص ـ دار الكنوز الأدبية بيروت ودار المنفى في السويد 2001.
9. أنت تشبه السيد المسيح ـ قصص ـ دار الشئون الثقافية العامة، بغداد 2004.
10. الانحدار أو العقيد ومعجزته الأخيرة ـ رواية ـ دار المنفى في السويد 2005.
11. محاولة في تحليل المسألة الطائفية في العراق ـ مقالات ـ منشورات تموز ، مالمو ، السويد 2006.
12. قصة حب لزهرة الأوركيديا ـ قصص ـ الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2008 ، طبعة ثانية دار فيشون السويدية.
13. قطة بلا شعر ـ قصص ـ دار فيشون ميديا 2010 السويد.
14. ليلة الهدهد ـ رواية ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2013 طبعة ثانية دار فيشون السويدية.
15. 66 قصة قصيرة جدا ـ قصص ـ دار العرب والدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2015.
16. قيثارة أجاثا كريستي ـ رواية ـ دار العرب والدار العربية للعلوم ناشرون بيروت 2016
17. متاهة الأذكياء " شاعران ودكتاتور" ـ رواية ـ دار المتوسط ـ إيطاليا 2019
18. أوتار العكاز(عثمان الموصلي) ـ رواية ـ دائرة الشئون الثقافية وزارة الثقافة بغداد
19. لماذا تبكي كلما رأيت زهرة الأقحوان؟ ـ قصص اتحاد الأدباء في العراق 2022
20. ذكرياتي مع الجواهري: الوطن والمنفى نُشرت في مجلة الأقلام العراقية على حلقات وقيد الطبع بكتاب ـ دائرة الشئون الثقافية وزارة الثقافة.
21. صدرت له مجموعة قصص مترجمة إلى السويدية بعنوان(أنت تشبه السيد المسيح)، عام 2010 عن دار فيشون في السويدـ وبثت منها قصته "حالة خاصة جدا " عبر الإذاعة المحلية السويدية.

تحت الطبع
22. "مقالات في ما فات وما مات" منشورة في صحف مختلفة وتتناول وضع العراق الراهن.