


بطاقة الكتاب
الكاتب: فاضل العزاوي
الكتاب: مدينة من رماد
النوع: رواية
القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات: 183 صفحة
تُعدّ رواية “مدينة من رماد” للكاتب العراقي فاضل العزاوي استكشافًا معمقًا لأثر القمع السياسي والفساد الأخلاقي على الفرد والمجتمع، ويتجسد هذا الاستكشاف ببراعة في شخصية “قاسم حسين”، معاون الأمن المركزي الذي يمثل محور السرد. يقدم العزاوي قاسم كنموذج إنساني معقد، تتصارع داخله الولاءات والضمير الميت مع بقايا إنسانيته، ليرسم صورة قاتمة لمصير الإنسان في ظل الأنظمة الشمولية.
في البدء، يُقدّم قاسم حسين كشخصية روتينية، موظف أمن يعتاد على طقوس بغداد الصيفية وحاناتها، يراقبه الكاتب وهو يتحرك في بيئة موصوفة بدقة، لكنه يبقى منفصلاً عاطفيًا عنها. يظهر وكأنه يؤدي واجباته بلامبالاة، يراقب “المخبرين” و”المعتقلين” بنوع من السخرية الداخلية التي تخفي إرهاقًا عميقًا. إن أولى علامات الصراع الداخلي تبرز في ملاحظاته الفلسفية حول “العجوز” الذي يخشى فقدان أوراق مصائر الناس، أو في نظراته إلى زملائه “المتقلبين” الذين “مدربون لافتراس أقرب الناس إليهم”، مما يوحي بوعي خفي لديه بطبيعة النظام الذي يعمل فيه.
تبدأ رحلة الانهيار الأخلاقي لقاسم مع ظهور “جليل محمود”، صديق دراسته القديم الذي يعتقله النظام. هذا الحدث ليس مجرد تطور في الحبكة، بل هو بمثابة مرآة تُجبر قاسم على مواجهة ماضيه النقي وحاضره الملوث. يصف قاسم شعوره بالخجل والارتباك عندما يلتقي بجليل معلقًا في السرداب، وهو خجل يتناقض مع صلابته المعتادة. العلاقة المعقدة بينهما، التي تتأرجح بين الصداقة القديمة وواجب المعذب، تسلط الضوء على ثنائية “الجلاد والضحية” وتداخلها في إنسانية قاسم. هو لا يريد أن يعذب صديقه، لكن ضغوط المدير العام تجعله يتورط أكثر، ويبرر لنفسه أفعاله بأنها “المهنة”.
يتعقد مسار شخصية قاسم أكثر بدخوله في علاقة مع “هدى” زوجة جليل. هذه العلاقة تمثل ذروة الانحلال الأخلاقي والذاتي لقاسم. إنها ليست مجرد خيانة للصداقة، بل هي بحث يائس عن اتصال إنساني في حياة قاسم القاحلة، حتى لو كان هذا الاتصال مبنيًا على الكذب والخداع والاستغلال. يراها قاسم امتدادًا لسلطته، يبرر لنفسه خيانتها لجليل بأنها “امرأة مفرغة من الأوهام نزعته عنها كما تنزع ثوبًا باليًا”. هذه العلاقة، رغم ما تمنحه له من “بهجة غامرة”، تزيد من شعوره بالوحدة والعار والانفصال عن ذاته، ليصبح “جزيرة قاحلة”.
تأخذ شخصية قاسم أبعادًا مأساوية مع تطور الأحداث السياسية وعودة “الحرب” و”الإرهاب”. يجد قاسم نفسه “مغتبطًا” بالحرب لأنها تمنحه “العمل” وتُشبع حاجته للقوة، مما يكشف عن مدى تغلغل القمع في روحه. يصبح عمله في التعذيب هو مصدر “البهجة والفرح”، لكن هذه البهجة سرعان ما تنقلب إلى حقد ومرارة. تتجلى إنسانيته المتبقية في لحظات ضعف، كبكائه وهو يضرب جليل، أو حنقه على “الجلادين الصغار” الذين يسرقون.
النهاية المأساوية لقاسم حسين هي تتويج لرحلته المضطربة. بعد إهانته في ملهى “الأمباسي” وفصله من عمله، يجد نفسه وحيدًا، بلا هدف أو هوية. تتحطم صورته الذاتية كـ”رجل قوي” ويصبح مجرد شخص “منبوذ”. محاولاته اليائسة لإعادة تأكيد ذاته، سواء بالتباهي بهويته الأمنية المنقضية في الحافلة، أو بالاشتباك مع السيارة التي تلاحقه وهدى، تقود إلى هلاكه. لحظة موته، برؤيته جليل يلوح له من “فوق غيمة بعيدة” وسماع أغنية قديمة، هي لحظة تماهٍ بين الجلاد والضحية، وبين حاضره ومستقبله. موته ليس مجرد نهاية لشخصية، بل هو سقوط لرمز، سقوط لإنسان خسر روحه تحت وطأة نظام قمعي، فصار جزءًا من “مدينة من رماد” تحرق كل من فيها.
باختصار، شخصية قاسم حسين هي دراسة عميقة للتحول الإنساني في بيئة قمعية. فهو ليس مجرد جلاد شرير، بل هو إنسان تم سحقه من الداخل والخارج، يتصارع مع مفاهيم الولاء والخيانة، الصداقة والحب، السلطة والضعف. يمثل قاسم حسين بؤس الوجود في عالم يفتقر إلى القيم الإنسانية، وتتركه التجربة فارغًا ومنبوذًا، ليكشف العزاوي من خلاله عن عمق الرماد الذي يغطي النفوس والمدن على حد سواء.
الناشر










