


بطاقة الكتاب
الكاتب: لطفية الدليمي
الكتاب: حديقة حياة
النوع: رواية
القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات: 280 صفحة
تعد رواية “حديقة حياة” للكاتبة العراقية لطفية الدليمي عملاً أدبياً فريداً يتجاوز كونه حكاية عن امرأة تنتظر زوجها المفقود، ليصبح تأملاً عميقاً في علاقة الإنسان بالوطن والذاكرة والجمال وسط أنقاض الحرب. تمتزج في هذه الرواية البراعة الأسلوبية مع الرؤية الفلسفية، لتقدم نسيجاً سردياً معقداً يلتقط مأساة العراق الحديث من خلال عدسة عائلة واحدة، حديقة صغيرة، وأحلام لا تموت.
دائرة الانتظار وتعدد الأصوات
تتألف الرواية من ثمانية فصول، وتعتمد بنية سردية دائرية ومنفتحة في آن واحد، حيث يمثل “الانتظار” المحور الحركي للزمن السردي. بغداد ليست هنا مجرد مكان جغرافي، بل تتحول إلى فضاء رمزي لمدينة “الرماد” و”الحروب”، حيث يتداخل الحاضر المثقل بالحصار مع الماضي المستعاد عبر تقنيات الاسترجاع السردي. تستخدم الدليمي الذاكرة كأداة لربط القارئ بحياة “غالب” الزوج المفقود، وبحياة الأسرة قبل الكارثة، مما يخلق إحساساً بالاستمرارية رغم الانقطاع.
تتميز الرواية بتبنيها لتقنية تعدد الأصوات، حيث لا يقتصر السرد على راوٍ عليم واحد. تبرز “أوراق ميساء” كبوح ذاتي يعتمد تيار الوعي، مما يمنح الرواية بعداً نفسياً عميقاً يعكس صراع جيل كامل ولد في زمن الحرب. أما الاختراق الأسلوبي الأكثر جرأة، فيتمثل في ظهور صوت “رويدة” المتوفاة في الفصل الخامس، متحدثة من “برزخ اليقظة” بصوت “جوفاء كالهواء وبها رنين”. هذا الكسر للواقعية يضفي طابعاً من الغرائبية التي تميز أسلوب الدليمي، حيث يصبح الموتى فضاءً سردياً مكملاً للواقع، وجسراً بين الماضي والحاضر.
بين المقاومة والانهيار
تتسم شخصيات الرواية بالتعقيد النفسي والتحول المستمر تحت وطأة الظروف التاريخية. “حياة” ليست مجرد بطلة، بل هي رمز وجودي بامتياز؛ اسمها يحمل دلالتها كحارسة للحديقة التي تمثل الحياة والذاكرة. تجسد حياة نموذج المرأة العراقية الصابرة التي ترفض الاعتراف بالموت، وتقاوم القبح بالزراعة والتربية والموسيقى. هي تتجذر في المكان وترفض الاقتلاع، حتى عندما يهددها الخراب من كل اتجاه.
أما “ميساء“، الابنة، فتمثل جيل الحرب بكل انكساراته العاطفية وبحثه عن الهوية وسط الأنقاض. علاقتها بآلة الكمان وبالآثار القديمة تعكس رغبتها في ترميم الذات والتاريخ، بينما يجسد صراعها مع “زياد” الفجوة بين من يختار البقاء والمواجهة ومن يختار الهروب إلى اغتراب الغرب البارد. تقف “سوزان” كنقيض لحياة، فهي الوجه الآخر للضياع في ظل الحرب، تبحث عن خلاصها عبر المظاهر والثروة، وتعاني من فقر روحي رغم غناها المادي. في المقابل، يأتي “غسان” المصور الفوتوغرافي ليحاول تجميد الزمن وتوثيق القبح وتحويله إلى فن، ليصبح دوره السردي جسراً بين الواقع المرئي والرؤية الفنية، وهو الذي يصنع “المعجزة” في النهاية بإعادته “غالب” إلى الكادر السردي عبر صورة فوتوغرافية.
حديقة من المعاني
تتميز لغة لطفية الدليمي بثراء استثنائي وقدرة على استحضار صور شعرية عميقة. العنوان بحد ذاته “حديقة حياة” يمثل استعارة مركزية تتغلغل في بنية النص، حيث لا تقتصر الحديقة على كونها مكاناً مادياً، بل تتحول إلى رمز لجوهر الحياة والذاكرة والمقاومة. يتجلى هذا في مشاهد مثل وصف “زهرة وردة حمراء تفتحت في وحشة الخراب النباتي”، حيث تتشابك صورة الجمال النابت من الخراب مع فكرة الصمود والبقاء.
تعتمد الكاتبة على التناقضات الحادة لخلق تأثير درامي عميق، فتقابل بين جمال الطبيعة وبشاعة الحرب. تصف كيف “الدنيا عزلتهم عن شذا الأقحوان وألوان زهرة المنثور”، مؤكدة على عزلة الإنسان عن مصادر الجمال بفعل الصراع. التشبيهات والاستعارات المبتكرة تزخر بالنص، مثل تشبيه الجسد المتألم بـ”ليمونة عصرت وما تبقى منها سوى القشرة”، مما يجسد درجة الفقدان بطريقة مؤلمة وملموسة.
يتجاوز الترميز في الرواية مجرد الوصف المباشر ليمنح الأشياء معاني أبعد من ظاهرها. فالحديقة بكل عناصرها من أشجار تين وياسمين تتحول إلى كائن حي يتفاعل مع مصائر الشخصيات. شجرة التين الجافة التي تساقطت حباتها “مشروع ثمار شهية جفت” تعكس الفقدان، بينما تتجسد الذاكرة الحية في النخلة التي “حملت للمرة الأولى” كرمز للتجدد ودورة الحياة. حتى الخميرة المستخدمة في الخبز تتحول إلى رمز حيوي لاستمرارية الأجيال وذاكرة النساء المتناقلة عبر العصور.
شهادة على زمن الحرب
تقرأ الرواية كشهادة تاريخية على حقبة الحصار والحروب في العراق، حيث تمثل “أيديولوجيا المقاومة بالجمال” خطاباً مضاداً للحرب. فالزراعة والموسيقى ليستا مجرد هوايات، بل فعل سياسي يرفض الانصياع لخراب السلطة. من خلال شخصية “كايد الحردان”، تسلط الرواية الضوء على ظهور أثرياء الحروب الذين يحاولون سحق الطبقة المتوسطة المتعلمة والاستيلاء على جمالياتها، محولين الحديقة إلى مشاريع استهلاكية.
يظهر الخطاب النسوي لدى الدليمي من خلال تصوير النساء كحاملات للقيم وقادرات على إدارة الحياة في غياب الرجال. الرجال إما مفقودون كغالب، أو هاربون كزياد، أو محطمون، بينما تظل النساء حارسات البيت واللغة والذاكرة. تستدعي الرواية التاريخ القديم، من خلال ملحمة گلگامش والأختام السومرية، لتعميق الإحساس بالاستمرارية التاريخية. الوجع العراقي هنا ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لطوفانات تاريخية قديمة، والمواطنة تُعرّف من خلال الالتصاق بالتراب والتراث.
تُحلل الرواية أيضاً “سيكولوجية الهزيمة” وآثار الصدمة التي تظهر في كوابيس ميساء وتخيلات حياة، مما يجعلها وثيقة أدبية تعاين الخراب الداخلي للإنسان قبل الخراب الخارجي للمدن. إنها مرثية بليغة ومدونة صمود في آن واحد، استطاعت لطفية الدليمي من خلالها أن تجعل من “الحديقة” الصغيرة فضاءً كونياً يتصارع فيه الموت والحياة، والذاكرة والنسيان. تنتهي الرواية بصدمة اكتشاف “غالب” في صورة فوتوغرافية، وهي النهاية التي تفتح الباب على سؤال أعمق: هل يمكن استعادة ما تهدم، أم أن الصورة هي كل ما تبقى لنا من الحقيقة؟
طالب الداوود










