


بطاقة الكتاب
الكاتب: طارق ياسين
الكتاب: وضوح أول
النوع: شعر
القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات: 148 صفحة
تنفرد تجربة طارق ياسين الفنية في أشعاره المكتوبة بالعامية العراقية كونها اتخذت مساراً مختلفاً عما هو سائد في الستينات حيث انشغل جلّ شعراء العامية المجددين بالهم السياسي المشوب بحماس ثوري رومانتيكي مستمد من أفكار اليسار الماركسي التي كان لها شعبية واسعة في الشارع العراقي وقتذاك، منطلقين في الفضاء الجديد، الذي فتح بابه الشاعر مظفر النواب بما أحدثه من تجديد ارتقى بالقصيدة القديمة والأشكال الشعرية التراثية، كالموال والأبوذية إلى بنية لها القدرة على استيعاب الهموم المعاصرة، خالقاً تياراً شعرياً جعل الكثير من المواهب الشابة تحاول تقليد القصيدة النوابية الحالمة بالتغيير الثوري والمبررة لقيم النضال والشهادة بأسلوبها المشحون بالعاطفة المثيرة للهمم ومتانة بنائها الجديد المبهر. فكانت ضوءاً شديد السطوع “أقصد قصائد مظفر”أعمى مجايليه والأجيال اللاحقة، إلا ذوي الموهبة الشعرية الراسخة الذين تمكنوا من إيجاد أصواتهم الخاصة وأسلوبهم المميز، أذكر منهم على سبيل المثال، كاظم الرويعي، عزيز سماوي، شاكر سماوي، علي الشباني، كاظم الركابي. وهؤلاء بدورهم حاوروا المنقذ البعيد الذي بكفه مفتاح الأحلام والثورة، فاكتظت قصائدهم بالمخاطبات الموجهة إلى الذات الغائبة والموضوع والروح في تناوب الملامة والتذكير بالأمجاد وبرموز النضال الثوري على مد التاريخ، الأمام الحسين “ع”، جيفارا، هوشي منه”لشحذ الهمم، مخاطبات تحولت مع بوادر المد اليساري إلى مراثٍ حزينة ابتدأها النواب أيضاً في قصيدتيه “ليل البنفسج”و “روحي”ناعياً الحلم المقتول بشجن محبٍ دنفٍ فلامس لوعة أجيال عاشت تألق ذاك الحلم وانحساره، وبأسلوب جديد نأى عن المباشرة في قصائده الحماسية مما جعل القصيدتين المذكورتين ترتقيان إلى مصاف الهم الإنساني الشامل، فظلتا متداولتين جيلا بعد جيل. إن قصائد الخيبة المظفرية، والتي لم تخلُ قصائده السياسية الحماسية من ظلالها، عبرت عن نبض الناس في تلك الأيام ومزاجهم. فنبهت فنياً لموضوع سيصبح لاحقاً محور الجيل المبدع من شعراء المدرسة الحديثة في العامية العراقية وشغلهم الشاغل. فكتبوا العديد من القصائد المحاورة للحلم البعيد بحماسة منطفئة ورجاء خائب، ومن أشهرها “خسارة”لعلي الشباني المنشورة في “خطوات على الماء”1970. و “أغاني الدرويش”لعزيز سماوي المنشورة في ديوان يحمل نفس الاسم عام 1973في بغداد. وضعت القصائد المذكورة والتيار الذي خلقته الحلم الثوري بمصاف الأحلام العصية المستحيلة في قراءة دقيقة للواقع ولما يعتمل في أرواح الناس من هاجس ورعب يكمن في أيام قادمة، فيما خطاب اليسار العراقي غارق بتفاؤل موهوم أورثه مذبحة وعزلة.
على الرغم من أن طارق قد كتب قصائد معدودة تدور في المحور المذكور، بتأثير شرطه الاجتماعي وعلاقة الصداقة المتينة التي تربطه بشعراء هذا التيار، إلا أني وجدته في مخطوطة ديوانه مشغولاً بالإنسان كوجود ملتبس، وماهية غامضة، يكتظ حباً واغتراباً في وقفته الحائرة إزاء ما يجري. حتى قيل إن طارق ياسين الإنسان كان مرعوباً في تلك الأيام فيقضي أياماً دون الخروج إلى الشارع رغم مظاهر الديمقراطية الزائفة وقتذاك أوائل السبعينات. يظهر هذا جلياً في قصائده إذ يبدو أنه أطال التأمل حتى بلغ كوة الرؤيا، وحكمة الصمت، فلا جدوى من الحلم في زمن الطوفان.
سلام إبراهيم
هذه النسخة الرقمية من ديوان وضوح أول تُنشر بمناسبة مرور 50 عاما على وفاة الشاعر طارق ياسين، في مثل هذا اليوم 08 تشرين الثاني / أكتوبر 1975.










