


بطاقة الكتاب
الكاتب: حميد العقابي
الكتاب: الفئران
النوع: رواية
القياس: 15سم * 22.5سم
الصفحات: 171 صفحة
تُعد رواية “الفئران” للشاعر والكاتب العراق حميد العقابي نصاً أدبياً غنياً يغوص في أعماق التجربة الإنسانية تحت وطأة القمع والاضطهاد. يوظف العقابي اللغة، النبرة، التصوير الفني، والمجازات لبناء عالم سجن كابوسي يعكس تكسير الروح وتشويه الهوية، مما يجعل النص صرخة أدبية مدوية ضد الاستبداد والتجريد من الإنسانية.
منذ الوهلة الأولى يبرز التناقض الصارخ في نبرة السرد، التي تتأرجح بين الواقعية القاسية والعبثية الساخرة، مما يخلق إحساساً عميقاً باليأس واللاجدوى. النبرة جافة ومباشرة في وصف الفظائع اليومية، لكنها تتحول إلى سخرية مريرة عندما يواجه السجناء المنطق المغلوط لقادتهم أو يجدون أنفسهم مضطرين للتكيف مع سخافة الوضع. هذا التذبذب الأسلوبي لا يعكس فقط حالة السجناء النفسية المضطربة، بل يؤكد أيضاً على الطبيعة المشوهة للواقع في ظل النظام القمعي، حيث لا مكان للمنطق أو الإنسانية.
يُعد “المجاز الحيواني” المحور الأسلوبي الأبرز في الرواية، ويُستخدم ببراعة لخدمة ثيمة التجريد من الإنسانية. منذ عنوان الرواية، يختار العقابي تشبيه السجناء بـ “الفئران”، وهو تشبيه يحمل دلالات الضعف، الدونية، والخضوع للتجارب. يتطور هذا التشبيه ليصبح واقعاً مريراً مع إجبار السجناء على تبني أسماء حيوانية (“حمار”، “خروف”، “فهد”، “دلفين”، “خفاش”، “واوي”… إلخ). هذا الاختيار الأسلوبي ليس مجرد تسمية، بل هو عملية مسخ متكاملة تهدف إلى محو الهوية الفردية واستبدالها بهوية جماعية حيوانية قمعية. تتضافر التسميات مع الأفعال، فنرى السجناء ينبحون وينهقون ويتقمصون سلوك الحيوانات، في تجسيد أسلوبي للتحول النفسي والجسدي الذي يفرضه السجن. كما أن اختيار حيوانات معينة لأسماء شخصيات بعينها (مثل “الفهد” الذي ينتهي به المطاف في التجارة بدلاً من المقاومة، و”الخفاش” الذي يجسد الانحراف) يعكس دلالات رمزية تضاف إلى البعد الأسلوبي.
التصوير المكثف لبيئة السجن يعزز الشعور بالضيق والعزلة. يستخدم الكاتب لغة حسية غنية لتصوير المساحات الخانقة: “ضيق المكان”، “البوابات الأوتوماتيكية ذات الصرير المرعب”، “دهاليز السجن”، “سقف رملي”، “الهواء غبارٌ خانق”. الجدران الخرسانية، غياب النوافذ والأبواب، والأضواء الخافتة أو الحادة كلها تفاصيل أسلوبية تساهم في بناء صورة بصرية ونفسية لسجن لا مفر منه، حيث يفقد الزمن معناه (“لا أحد يعرف تقلب الفصول”). هذه التفاصيل ليست مجرد وصف، بل هي أدوات أسلوبية تشارك في تفتيت إحساس السجين بالزمان والمكان، وبالتالي تكسير ذاته.
يظهر تحليل اللغة المستخدمة من قبل السلطة وأدواتها (الجنرالات، ريم ومجموعتها، العريف) نبرة متعالية ومزدوجة. فهم يخاطبون السجناء بـ “أبنائي الأعزاء” بينما يصفونهم بـ “فئران تجارب” أو “منيـ……”. هذا الاستخدام الأسلوبي للسخرية والتناقض اللفظي يكشف عن خبث السلطة وتلاعبها، ويعمق شعور السجناء بالمهانة، فاللغة هنا ليست للتواصل بل للهيمنة والتحقير. كما أن استخدام “النشيد الوطني” الذي يتم تحويله إلى كلمات هجائية تصف الوطن بالنهيق والنواح هو ذروة في السخرية والأسلوب التهكمي الذي يفضح زيف الشعارات الوطنية.
يستخدم السارد، وهو الراوي بضمير المتكلم، أسلوب المراقبة والتأمل الداخلي، مما يجعله شاهداً على انهيار الآخرين وتدهور ذاته. هذا التماهي بين الراوي والمشهد، مع الاحتفاظ بمسافة نقدية، يسمح بتقديم تحليل عميق للتحولات النفسية. أسلوب التساؤل المتكرر (“هل أنا الوحيد الذي سمع الصوت؟”، “لماذا أُطلق عليّ اسم واوي؟”) يعكس الحيرة الوجودية والبحث عن معنى في عالم فقد معناه، مما يضيف بعداً شخصياً “ذاتيا” للنص.
في الخاتمة، تصل الذروة الأسلوبية في مشهد البصق «حينما أطلق صفارة.. على كل منكما أن يبصق في وجه الآخر… مفهوم؟» وكان رد الفعل الأولي “تجمدتْ الابتسامة على وجه دلفين، وارتعش شيء في داخلي كأنه يريد أن يخرج على شكل صرخة أو إجهاشة في البكاء.” هنا يتكسر الحاجز الأخير بين الذات والآخر، وبين الواقع والمسخ. تكرار فعل البصق على الوجه الذي أصبح غريباً، ثم الضحك المتناغم مع ضحك الجلادين، يمثل انهياراً كاملاً للذات المستسلمة. “انظر! المطلوب منك الآن الوقوف أمام المرآة وتبصق على وجه الشخص الذي سيظهر أمامك.. مفهوم؟” هذا الأمر البسيط، الذي يتلقاه السارد باستخفاف في البداية، يتحول إلى فعل ذاتي من التجريد من الإنسانية، حيث لا يرى في المرآة سوى “وجهاً عجوزاً لم أره من قبل… وجهي بملامح جديدة”. هذا المشهد “المرآوي” يجسد أسلوبياً لحظة تدمير الهوية الذاتية وانصهارها في هوية المسخ المرتجاة من قبل السلطة.
باختصار، يقدم حميد العقابي في “الفئران” قطعة أدبية مؤثرة، ليس فقط من خلال قصتها المأساوية، بل وبشكل خاص من خلال توظيفه الأسلوبي البارع للغة، النبرة، التصوير، والمجاز. هذه الأدوات مجتمعة تشكل تجربة قراءة فريدة تُجبر القارئ على مواجهة قسوة التجريد من الإنسانية وتأمل هشاشة الذات أمام جبروت القمع.
طالب الداوود










